نذير حمدان

13

حكمة القرآن والحضارة

( وهذا ) وعظ بحكمة وإيقاظ برأفة . . . وقد اتفقت آراء الأوائل كلّها على إصلاح السيرة وتصحيح الاعتقاد والسعي فيما يراه أثمر وأجدى ، الإعراض عن كل شغل البال وأثار الشهوة لتبلغ النفس غايتها وتسعد في عاقبتها « 1 » . ويربطها الغزالي بالمعرفة الربانية ويضرب لذلك أمثلة تاريخية : . . . رئي صورة حكيمين من الحكماء المتقدمين في مسجد ، وفي يد أحدهما رقعة فيها : إن أحسنت كل شيء فلا تظنّن أنك أحسنت شيئا حتى تعرف اللّه تعالى ، وتعلم أنه مسبب الأسباب وموجد الأشياء ، وفي يد الآخر : كنت قبل أن أعرف اللّه تعالى أشرب وأظمأ حتى إذا عرفته رويت بلا شرب « 2 » ولكنه يظهر تطورا عمليا ومعرفيا للحكمة ولا يفوته ما تعارف عليه بعض الناس . فيقول : اللفظ الخامس : وهو الحكمة ، فإن اسم الحكيم صار يطلق على الطبيب والشاعر والمنجّم ، حتى على الذي يدحرج القرعة على أكف السوادية في شوارع الطرق . والحكمة هي التي أثنى اللّه عزّ وجلّ عليها فقال : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً . ويتابعه ( ابن خلدون ) ولكنه يوسع مناحي التطور إلى معرفة السّحر وعلمي الكيمياء والعلوم عامة . . . . والطغرائيّ من حكماء المشرق المتأخرين له فيها دواوين ومناظرات مع أهلها وغيرهم من الحكماء ، وكتب فيها مسلمة المجريطي من حكماء الأندلس كتابه الذي سماه ( رتبة الحكيم ) وجعله قرينا لكتابه الآخر في السحر والطلسمات الذي سماه ( غاية الحكيم ) وزعم أن هاتين الصناعتين هما نتيجتان للحكمة ، وثمرتان للعلوم ، ومن لم يقف عليهما فهو فاقد ثمرة العلم والحكمة أجمع . . . وقد ينسبون للغزالي رحمه اللّه بعض التآليف فيها وليس بصحيح ، لأن الرجل لم تكن مداركه العالية لتقف عن خطأ ما يذهبون إليه حتى ينتحله .

--> ( 1 ) أبو حيان التوحيدي المقابسات 145 ، 144 ( 2 ) الغزالي : الإحياء 1 / 88 وما بعد